الخالق لا يشبه المخلوق
ما معنى قولِ السلف الصالح في الآيات المتشابهات “أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف”؟
الحافظ البيهقي يروي عن عدد من السلف كالإمام الأوزاعي ومكحول الدمشقي أنهم قالوا في الآيات المتشابهات “أَمرُّوها كما جاءت بلا كيف”.
يعني لا تدخلوا في تعيين معانٍ خاصة لكلِّ لفظ من هذه الألفاظ ونزِّهوا اللهَ تعالى عن مشابهةِ الخلق.
هذا معنى “أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف”. يعني قولوا لها معنىً يليقُ تعالى مِنْ غيرِ أنْ تشبِّهوا اللهَ بخلقِه.
ليس كما يقول المشبِّهة، يقولون اللهُ له يدٌ يقولون لفظًا أحيانًا بلا كيف ماذا يريدون من كلمة بلا كيف؟ بلا كيفٍ معلومٌ لنا. أمّا السلفُ الصالحُ لمّا قالوا بلا كيف ماذا أرادوا؟ أرادوا نفيَ الكيفِ بالمرة.
ما معنى الكيف؟ كلُّ ما كان مِن صفاتِ المخلوقين كيف. الجارحةُ كيف الصورةُ كيف الشكلُ كيف الهيئةُ كيف الانفعالُ كيف التغيُّرُ كيف، لا يجوز على الله تبارك وتعالى.
فحينَ يقولُ السلفُ الصالحُ “يدُ اللهِ فوقَ أيديهم بلا كيف” يَعنُون نفيَ الكيفِ بالمرّةِ عن الله.
أمّا حين يقولُ أدعياءُ السلفيةِ بلا كيف يعنُونَ ليس معلومًا لنا، يعني يوجد كيف على زعمهِم لكنْ ليس معلومًا لنا.
فرقٌ بين عقيدةِ السلف وعقيدةِ المشبِّهة المجسِّمة أدعياءِ السلفية.
هنا سؤال يقول: ماذا قال الإمام مالك في الآية {الرحمنُ على العرش استوى}؟
سيِّدُنا مالك من السلف الصالح وعقيدتُه التنزيه لا يُشَبِّه اللهَ بخلقِه نفَى الكيفَ عن اللهِ بالمرة.
الذي ثبتَ عنه أنه جاءَه رجلٌ قال له الرحمنُ على العرش استوى كيف استوى؟ فأطرقَ مالكٌ رأسَه وعلَتْه الرّحَضاء -العرق- انزعجَ مِن قولِه كيف استوى، فقال الإمام مالك رضي الله عنه فيما ثبتَ عنه ” الاستواء معلوم – أي معلومٌ ورودُه في القرآن- ولا يقالُ كيف وكيفَ عنه مرفوع أخرِجوه إنه صاحبُ بدعة”، لأنه عرفَ مِن حالِه مِن سؤالِه أنه لا يريد الخير لأنه قال كيف استوى، اللهُ لا يُسألُ عنه بكيف سبحانه وتعالى.
فإذًا الإمام مالك نفَى الكيفَ عن الله تبارك وتعالى فقال “الاستواءُ معلوم” وفي رواية “مذكور” أي مذكورٌ في القرآن، “ولا يقالُ كيف والكيفُ غيرُ معقول” هذه رواية أخرى غير معقول في حقِّ الله الكيف.
أمّا قولُ الاستواءُ معلومٌ والكيفُ مجهول فلم يقُلْه مالك، إنما المشبِّهة المجسِّمة تمسَّكوا به ليَنصُروا عقيدتَهم الفاسدة لأنهم يعتقدون في اللهِ الكيف لكنْ يقولون نحن لا ندري هذا الكيف كيف هو، ويقولون قال والكيف مجهول. الإمام مالك لا يقولُ والكيف مجهول، قال والكيف غيرُ معقول، قال والكيف عنه مرفوع، يعني لا يجوز في حقِّ الله الكيف.
العرشُ العظيم لمَ خلقَه الله، كما قال سيِّدنا علي “إظهارًا لقدرتِه” لا يحتاج إليه سبحانَه وتعالى وجعلَه قِبلةً للملائكة إذا أرادوا الصلاةَ الذين هم فوق توجَّهوا إليه ويطوفون حولَه كما يطوف المؤمنُ في الأرض حول الكعبة.
وهؤلاء الملائكة الحافُّون بالعرش لا يعلمُ عددَهم إلا الله. فالعرشُ بالنسبة لهم كالقِبلةِ بالنسبة لنا معاشرَ الآدَمِيِّين، لهذا خلقَ اللهُ العرشَ ليس لِيجلِسَ عليه أو يستقرّ عليه.
الجالسُ له نِصفان نصفٌ أعلى ونصفٌ أسفل وإذا قلنا جلسَ معناه جالسٌ ومجلوسٌ عليه معناه جِسمانِ الْتَقيَا الْتصَقَ واحدٌ بالآخر، هذا لا يجوز على الله.
والجالسُ مُقدَّرٌ بالمِساحةِ إذا قلتَ جلسَ فلانٌ على هذا العرش أو على هذا الكرسي معناه له مِساحة لأنَّ العرشَ له مساحة مخلوق، فإذا كان الجالسُ عليه أوسع منه له مِساحة، مُقَدَّرًا بالمِساحة، وإذا كان بقدْرِه له مِساحة، وإذا كان أصغرَ منه له مِساحة، والمُقَدَّرُ بالمِساحة يحتاجُ لِمَنْ قدَّرَه بهذه المِساحة بدَلَ غيرِها مِن ما يجوز عليه وهذا لا يجوز على الله تبارك وتعالى.
هذا كلامُ مالك وهذا كلامُ السلف الصالح نفيُ الكيفِ عن اللهِ بالمرة.