سبحانَ الذي يُغيِّر ولا يَتغَيَّر
كلمةٌ نَسمعُها على ألسِنَةِ كثيرٍ من النّاس وخصوصًا كِبارُ السِّن مع أنَّها ليسَتْ من حيثُ بعضُ ألفاظِها مُقتبَسةً من آيةٍ قرآنيةٍ ولا حديثٍ نَبويٍّ شريفٍ، ولكنَّنا إنْ أعطينا هذه الكلمةَ الشريفةَ حقَّها من التَّفكُرِ والتَّدبُرِ لرأينا موافقَتَها الخالصةَ للعقيدةِ الإسلامية، ففيها إجمالٌ لطيفٌ لدليلٍ عقليٍّ دامِغ يُثبتُ أنّ هذا الكَوْنَ مَخلوق وأنّ خالِقَهُ عزّ وجلّ لا يُوصفُ بأيٍّ من صفاتِ هذهِ المَخلوقات.
إنّ في قَوْلِنا “سُبحان الذي يُغَيِّرُ ولا يَتغيَّر” إشارةً إلى أنّ العالَم وهو كلُّ ما سِوى اللهِ عزَّ وجلَّ موصوفٌ بالتَّغيُّرِ والانتقالِ من حالٍ إلى حالٍ، والمُتغيِّر مُحتاجٌ لمن يُغيِّرهُ ولولا أنّه مُحتاجٌ لَما تغيَّر، والاحتياجُ والافتقارُ نَقصٌ لا يليقُ بالخالِق عزّ وجلّ، كما أنّ التَّغيُّرَ إمّا أنْ يكونَ انتقالًا من نقصٍ إلى كمالٍ كما يحصل في علمِ الإنسان إذا تعلَّمَ فعِلمُهُ حينئذٍ يزداد ويكمُل، وإمّا أنْ يكون التَّغيُّر انتقالًا من كمالٍ إلى نقصٍ كما يحصلُ في علمِ الإنسان إذا أصابَهُ النِّسيان، فعلمُهُ حينئذٍ يقِلُّ وينقُص، لذا فالتَّغيُّرُ بجميعِ أحوالهِ لا يليقُ بربِّ العِزَّة الموصوفِ أزلًا وأبدًا بكلِّ كمالٍ يليقُ به، والمُنزَّهِ عن كلِّ نقصٍ في حقِّهِ. أمّا التَّغيُّر فهو من صفاتِ المخلوقاتِ الدَّالَّةِ على أنّها حادِثة أيّ أنّها أُوجِدَتْ وأحدِثتْ بعدَ عدم، أيّ أنّ لوجودِها بداية فاحتاجَتْ لمن أبرزَها وأحدثَها من العدمِ إلى الوجود، احتاجَتْ لخالِقٍ أبدعَها وكونَّها، خالِقٍ أزليٍّ لا بدايةَ له أبديٍّ لا يَفنى ولا يَبيد، خالِقٍ لا يُشبِهُها على أيّ وجهٍ من الوجوه.
بقيَ أنْ نذكر أنّ مثلَ هذه الاستدلالاتِ العقليةِ ليست طريقةً بعيدةً عن منهجِ أهل العلمِ من السلفِ الصالحِ ومن تبعَهُم بإحسانٍ إلى يومنا هذا، بل إنّ علماء المسلمين مَلؤوا بُطونَ الكتبِ بما هو أوسعُ وأشملُ وأكثرُ تفصيلًا ممّا ذكرناه، وذلك بحسبِ ما تقتضيهِ أحوالُ الزّمان وأفهامُ الناس ومدى توسُّعِ المخالفين في إثارةِ الشُّبَهِ في دقائقِ المسائل. وهنا يَطيب لنا أنْ نذكُرَ أثرًا مشهورًا عن الإمام أبي حنيفةَ رضيَ اللهُ عنه يُظهِرُ لنا اهتمام العلماء بمثل هذه الاستدلالاتِ العقليةِ لإظهار ِالعقيدةِ السليمةِ ومَحْقِ الشُّبَهِ والافتراءات.
فقد رُويَ أنّ الإمام الفقيه أبا حنيفة رضيَ الله عنه وهو من علماء السلف ناظرَ بعضَ منكري وجود الخالِق عزّ وجلّ فقال لهم: ما تقولون في رجلٍ يقولُ لكم “إنِّي رأيتُ سفينةً مشحونةً بأحمالٍ مليئةً بأثقالٍ تتقاذَفها في لُجَّةِ البحرِ أمواجٌ مُتلاطِمَة ورياحٌ عاصِفة وهي مع ذلك تجري مُستوية بِلا ملّاحٍ يقودها ولا مُتعهِّدٍ يدفعُها، هل يجوزُ ذلك في العقل؟ فقالوا هذا شىء لا يقبلهُ العقل. فقال أبو حنيفةَ سُبحانَ الله، إذا لم يَجُز في حكمِ العقلِ سفينةٌ تجري في البحر ِمُستوية من غيرِ مُتعهِّدٍ ولا رُبَّان، فكيف يجَوزُ قيامُ هذه الدنيا على اختلافِ أحوالِها وتغيُّرِ أعمالِها وسعةِ أطرافِها وتبايُنِ أكنافِها من غيرِ صانعٍ ولا حافظٍ، فبُهِتوا جميعًا وقالوا صدقْت، ثم أسلَموا وانصَرفوا تائبين.
نسألُ اللهَ تعالى أنْ يعلِّمَنا ما يَنفَعُنا وأنْ ينفَعَنا بِما علَّمنا إنَّه بعباده ِلطيفٌ خبيرٌ والحمدُ لله ربِّ العالمين.