فتاوى شرعية

من هم الملائكة وهل لهم أرواح وعقول وإرادة

معنى قوله تعالى ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ الإحاطة بالعلم لا بالجهة أى عالم بكم أينما كنتم وتأتى المعية بمعنى النصرة والكلاءة أى الحفظ وهى خاصة بالمؤمنين الأتقياء كقوله تعالى ﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾ أى ينصرهم ويحفظهم وليس معناه يمشى ويتنقل معهم فإن الله تعالى ينصر عباده الأولياء ويحفظهم من أن يغرقهم الشيطان فى المعاصى وليس المعنى بالمعية الحلول والاتصال ويكفر من يعتقد ذلك لأنه سبحانه وتعالى منزه عن الاتصال والانفصال بالمسافة لقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾.

اعلم أن الاحتفال بمولده ﷺ لم يكن فى عهد النبى ﷺ إنما حدث فى القرن السابع الهجرى وهو بدعة حسنة وأول من أحدثه الملك المظفر ملك إربل أبو سعيد كوكبرى وكان عالما تقيا فاستحسن ذلك العلماء فى مشارق الأرض ومغاربها منهم الحافظ ابن حجر العسقلانى وتلميذه الحافظ السخاوى وكذلك الحافظ السيوطى وله رسالة سماها حسن المقصد فى عمل المولد قال وأصل عمل المولد الذى هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرءان ورواية الأخبار الواردة فى مبدإ أمر النبى وما وقع فى مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه هو من البدع الحسنة التى يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبى وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف ﷺ. وهذا ما عليه علماء الإسلام بخلاف الوهابية الذين يحرمون على المسلمين الاحتفال بمولده الشريف ﷺ. والدليل على مشروعية عمل المولد قوله تعالى ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ وقوله ﷺ من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء.

معناه إحاطة العلم والقدرة أى أنه لا يخرج شىء عن علم الله وقدرته وليس الأمر كما يقول الألبانى فى كتابه المسمى صحيح الترغيب والترهيب إن الله تعالى محيط بالعالم من جميع الجهات، وهذا كفر صريح فإنه شبه الله بالحقة التى تحيط بما فيها من جميع الجهات والحقة شىء مستدير يوضع فيه الأشياء الثمينة فالألبانى جعل الله تحت العالم وفوقه وعن شماله وعن يمينه وأمامه وخلفه ولم يقل بذلك مسلم ولا كافر قبله إنما هذا مما انفرد به عن غيره فالألبانى أثبت عقيدة ضد عقيدة طائفته الوهابية لأنهم يعتقدون أن الله فوق العرش بذاته وأن جهة تحت نقص فى حق الله فماذا تقول الوهابية هل تتبرأ منه أم تسكت له مداهنة لأنهم يعتقدون فيه أنه مجدد العصر.

أى تركوا طاعة الله بالإيمان به وبرسوله ﷺ فتركهم الله من رحمته خالدين فى نار جهنم لا يخفف عنهم عذابها. ولا يجوز تسمية الله بالناسى لأنه استخفاف بالله وتنقيص له.

اعلم أن مكر الله ليس كمكر العباد، مكر الله لا يذم لأن الله لا يجوز عليه الظلم لا يكون ظالما إن انتقم من عباده الظالمين بما شاء وأما المكر بمعنى الاحتيال فمستحيل على الله. قال الله تعالى ﴿ومكروا﴾ أى الكفار فعلوا حيلة وخبثا وخداعا لإيصال الضرر للمسلمين بطريق خفى ﴿ومكر الله﴾ أى عاقبهم على مكرهم ﴿والله خير الماكرين﴾ أى الله أقوى فى إيصال الضرر إلى الماكرين من كل ماكر جزاء لهم على مكرهم. ولا يجوز تسمية الله ماكرا فمن سمى الله ماكرا كفر لأنه استخف بالله تعالى.

اعلم أن الله تعالى هو خالق الروح والجسد فليس روحا ولا جسدا لكنه أضاف روح عيسى إلى نفسه على معنى الملك والتشريف أى التعظيم للدلالة على شرف روح عيسى عند الله لا على معنى الجزئية فمعنى قوله تعالى ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ أمرنا جبريل عليه السلام أن ينفخ فى مريم الروح التى هى ملك لنا ومشرفة عندنا لأن الأرواح قسمان أرواح مشرفة لها منزلة عظيمة عند الله كأرواح الأنبياء والأولياء والملائكة وأرواح خبيثة لا يحبها الله وهى أرواح الكفار. أما الذى يعتقد أن الله روح وأنه اقتطع من ذاته الذى هو روح قطعة فنفخها فى عيسى بواسطة النفس كما ينفخ الإنسان فقد شبه الله بخلقه وكان من الكافرين كمحمد متولى الشعراوى فإنه يقول فى كتابه أسئلة حرجة وأجوبة صريحة وقد جعل الله سبحانه وتعالى الروح نفسا فقال تعالى ﴿ونفخت فيه من روحى﴾ والنفخ معناه إخراج الهواء من حيز الصدر إلى المنفوخ فيه إذا هناك شىء دخل إلى جسد الإنسان بكلمة كن، ويقول الله خلقك ونفخ فيك من روحه فأنت فيك جزء من الله. وكلامه هذا كفر لا شك فيه قال تعالى فى ذم الكفار ﴿وجعلوا له من عباده جزءا﴾. واعتقاد الشعراوى أن الله يخلق بلفظ كن الذى هو مركب من حرفين باطل لأن الله عز وجل يخلق فى اللحظة الواحدة ما لا يدخل تحت الحصر بقدرته الأزلية. فيجب الحذر من كلامه ومن كتبه التى نشر فيها الكفر والضلال.

اعلم أن الله تعالى ليس جسما له أعضاء، فاليد إذا أضيفت إلى الله فى القرءان ليس معناها الجارحة والعضو إنما لها معنى يليق بالله لأن الجوارح أى الأعضاء مستحيلة على الله لقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾. واعلم أن اليد فى لغة العرب تأتى بمعنى الجارحة والجسم وتأتى بمعنى النعمة والقوة والعهد والعناية والحفظ كما فى قوله تعالى ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ أى بقوة والقوة بمعنى القدرة وقوله تعالى ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ أى عهد الله فوق عهودهم أى ثبت عليهم عهد الله لأن معاهدة الصحابة للرسول تحت شجرة الرضوان فى الحديبية على أن لا يفروا عنه وأن يحموه بأرواحهم معاهدة لله لأن الله تعالى هو الذى أمر نبيه بهذه المبايعة. وقوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ معناه أن الله غنى واسع الكرم. أما قول الله تعالى فى توبيخ إبليس ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى﴾ فيجوز أن يقال المراد باليدين العناية والحفظ أى ما منعك يا إبليس أن تسجد لآدم الذى خلقته بعنايتى وحفظى أى أردت له المقام العالى والخير العظيم. قال العلماء يصح أن يقال لله يد لا كأيدينا على معنى الصفة لا على معنى الجسم لأن الله لو كان له يد بمعنى الجسم لكان مثلا لنا ولو كان مثلا لنا لجاز عليه ما يجوز علينا من الموت والفناء والتغير ولم يكن إلها. أما المشبهة الوهابية أدعياء السلفية فيقولون بألسنتهم له يد لا كأيدينا وفى الاعتقاد يعتقدون الجسم الذى تعرفه النفوس. وأما الوقوف بين يدى الله للحساب فمعناه حسابهم عند عرض أعمالهم عليهم وليس معناه أن الله تعالى يكون فى موقف القيامة ويكون الناس حوله لأن الله تعالى ليس جسما يتحيز فى مكان. وتلك الهيئة التى يتصورها بعض الناس من أن الله يكون ذلك اليوم فى موقف القيامة والناس حوله يجتمعون للحساب هذه الهيئة لا تجوز على الله لأن هذه هيئة الملوك تحف بهم رعاياهم. فالذى يظن أن معنى الوقوف بين يدى الله يوم القيامة القرب منه بالمسافة لا يكون مؤمنا بالله.

اعلم أن القيامة لا تقوم حتى تحصل أشراط الساعة الصغرى والكبرى أما العلامات الصغرى فمنها قلة العلم وكثرة الجهل أى الجهل بعلم الدين وكثرة القتل والظلم وكثرة الزلازل وكثرة الأمراض التى ما كان يعرفها الناس سابقا وكثرة الدجالين وخطباء السوء وادعاء أناس النبوة وتداعى الأمم على أمة محمد ﷺ كتداعيهم على قصعة الطعام يحيطون بهم من كل صوب وهذا كله حصل. ومن ءاخرها ظهور المهدى وهو ثابت فى الحديث الصحيح الذى رواه ابن حبان فى صحيحه وأبو داود فى سننه والترمذى فى جامعه والحاكم فى المستدرك من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال لا تقوم الساعة حتى يملك الناس رجل من أهل بيتى يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى فيملأها (أى الأرض) قسطا وعدلا. والمهدى عليه السلام هو محمد بن عبد الله وهو حسنى أو حسينى من ولد فاطمة رضى الله عنها وهو رجل طويل القامة ءادم أى أسمر وجهه كالكوكب الدرى فى الحسن والوضاءة أجلى الجبهة أقنى الأنف أكحل العينين واسعهما دقيق الحاجبين طويلهما مفروق الحاجبين غير مقرونهما فى خده الأيمن خال أسود كث اللحية براق الثنايا يولد بالمدينة المنورة وينشأ بها فهو مدنى وأبواه مدنيان ويخرج من المدينة المنورة ثم يأتى إلى مكة المكرمة فيبايعه الأولياء. وقد ورد فى الأثر أنه يسير معه فى أول أمره ملك ينادى يا أيها الناس هذا خليفة الله المهدى فى الأرض فاتبعوه وورد فى الأثر أن المهدى عليه السلام يخرج من المدينة المنورة ويخرج معه ألف من الملائكة يمدونه بإذن الله ثم يذهب إلى مكة المكرمة فيبايعه ثلاثمائة من الأولياء ويخرج جيش لغزوه فيخسف الله به الأرض فيما بين مكة والمدينة ثم يأتى إلى بر الشام وفى أيامه تحصل مجاعة والمؤمن الكامل فى ذلك الوقت يشبع بالتسبيح والتقديس أى بذكر الله وتعظيمه. ويكون بين عيسى والمهدى سبع أو تسع سنوات.

يحرم العمل بالسحر وهو مزاولة أفعال وأقوال خبيثة. والسحر حرام من الكبائر ومنه ما هو كفر كالسجود لصنم أو شيطان قال رسول الله ﷺ اجتنبوا السبع الموبقات (أى المهلكات) وعد منها السحر رواه مسلم. والسحر حرام سواء كان للمحبة أو للتبغيض. ويحرم تعلمه وتعليمه لغير سبب شرعى. أما قول الله تعالى ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ فمعناه أن الله تعالى أمر الملكين هاروت وماروت أن ينزلا إلى الأرض ويعلما الناس السحر أى نوعا من السحر لا ليعملوا به بل ليعرفوا حقيقته، كانا يعلمان مع التحذير فيقولان للناس إنما نحن فتنة أى ابتلاء من الله واختبار نعلمكم السحر أى نوعا من السحر فلا تعملوا به ولا تعتبروه حلالا فتكفروا، كانا يعلمان الناس ما يكون من السحر من نوع التفريق بين اثنين متحابين ثم الناس الذين تعلموا منهما بعضهم عملوا به وعصوا ربهم. وليعلم أن السحر ليس من عمل الأنبياء والأولياء وأن القرءان لا يدخل فى عمل السحر فمن رأى شيئا مكتوبا من السحر مخلوطا بآيات من القرءان فليعلم أن القرءان ليس له دخل إنما الشياطين أدخلت هذا لتضل الناس ليظنوا أن القرءان يدخل فى عمل السحر.

يحرم استعمال اللقطة قبل التعريف عنها مدة سنة واللقطة هى ما ضاع من مالكه فى شارع أو مسجد ونحوهما ولا يعرف مالكه. فإذا وجد الشخص لقطة فى الطريق لا يجب عليه أن يرفعها لكن إن أخذها يجب عليه أن يعرفها مدة سنة ولا يحل له التصرف فيها قبل التعريف عنها فإن أكلها قبل أن يعرف عنها وقع فى ذنب كبير. فإن لم يظهر صاحبها بعد سنة يجوز له أن يتملكها بنية أن يغرم لصاحبها إن ظهر فيقول تملكت هذا الشىء. فإن كانت اللقطة مما يتلف بسرعة يبيعها ويحفظ ثمنها لصاحبها ولا يأكلها. وإذا وجد صنما من ذهب أو شعار كفر فلا يعرف عنه ولا يعطيه لكافر إنما يكسره ويتصدق به. وأما إذا كانت اللقطة فيها شىء محترم كاسم الله أو ءاية قرءانية فلا يتركها تدوس عليها الأرجل بل يرفعها وجوبا ويعرف عنها. وأما ما يجده الشخص فى بيته أو دكانه أو سيارته مما ليس له فإنه يحفظه ولا يتصرف فيه حتى ييأس من معرفة صاحبه فإن يئس من معرفة صاحبه كأن مضى عليه عشر سنين ولم يجد صاحبه فعندئذ يتصدق به على فقير إن شاء ويقول فى نفسه ثوابه لصاحبه إن كان مسلما، فإن ظهر صاحبه بعد ذلك وكان مسلما يخيـره بين أن يدفع له أو أن يرضى بالثواب.

من حقوق الزوج على زوجته أن تطيعه فى نفسها ولا يجوز لها أن تمنعه من الاستمتاع بها بلا عذر شرعى لحديث البخارى ومسلم إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجىء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح. ولا يجوز لها طاعته فيما حرم الله كأن أراد أن يجامعها وهى حائض أو نفساء. ويجب عليها أن تتزين إن طلب منها ذلك. ويجب عليها أن لا تصوم النفل وهو حاضر إلا بإذنه وأن لا تأذن لأحد فى دخول بيته إلا بإذنه لقوله ﷺ لا يحل للمرأة أن تصوم (أى النفل) وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن فى بيته إلا بإذنه رواه البخارى ومسلم. ولا يجوز لها أن تخشن له الكلام أو تعبس فى وجهه. ولا يجوز لها أن تخرج من بيته من غير ضرورة إلا بإذنه. ولا يجوز للزوج أن يمنع زوجته من صلة أرحامها بلا عذر إما أن يأذن لهم بزيارتها أو يأذن لها بزيارتهم.

اعلم أن الإسلام جعل لكل من الزوجين حقا على الآخر قال تعالى ﴿ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف﴾ معناه للنساء على الرجال من الحقوق والواجبات مثل ما للرجال على النساء من الحقوق والواجبات بالمعروف الذى شرعه الله عز وجل. فمن حقوق الزوجة على زوجها الإنفاق عليها النفقة الواجبة وعلى أولاده الذين دون البلوغ. أما إذا بلغ الولد الذكر سقطت نفقته عن أبيه بالإجماع أى لا يلزمه أن ينفق عليه. والنفقة لا تكون بالطعام والشراب فقط بل تشمل المسكن والملبس فقد ورد أن صحابيا قال يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال أن تطعمها إذا طعمت وتلبسها إذا لبست ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا فى البيت رواه أبو داود. نهى النبى ﷺ عن الضرب بغير حق أما على الوجه فحرام مطلقا ونهى عن التقبيح وهو أن يسمعها كلاما قبيحا محرما كالشتم واللعن أو لعن الوالدين والأهل وإذا غضب عليها وهجرها لأمر فينبغى أن يكون الهجر داخل البيت ولا يتعدى حدوده حتى لا يتحدث الناس عما يسىء لسمعتها ولا يزداد النفور إن علم الأهل والجيران بهجرها. ومن حق الزوجة على زوجها أن لا يمنعها مالها الذى تملكه ولا يجوز له أن يتعرض لمالها الخاص إلا عن طيب نفس منها، ولها التصرف بأموالها التى اكتسبتها من عمل يدها أو ورثتها عن قريب لها أو المال الذى هو مهر لها فإذا كان المهر مؤجلا فهو فى ذمته. والرسول ﷺ أوصى بمداراة المرأة وتحمل ما يقع منها وعلمنا ءاداب العشرة الزوجية من ملاطفة ومزاح واستشارة فى بعض الأمور والأحيان قال تعالى ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ أى بلا إيذاء ولا تقصير فى الحقوق وطيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم معهن وقال رسول الله ﷺ استوصوا بالنساء خيرا وقال خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى رواه ابن حبان.

        اعلم أن الجن أجسام لطيفة لا يراهم أحد من البشر على هيئتهم الأصلية لقوله تعالى فى إبليس وذريته ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ لكن يجب الإيمان بوجودهم لأن وجودهم ثابت بالقرءان والحديث فمن أنكر وجودهم كفر. أعطاهم الله القدرة على التشكل بأشكال مختلفة وخلق فيهم شهوة الأكل والشرب والجماع فهم يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتوالدون ولا ينامون. والجنى أول ما يولد يولد مكلفا. وإبليس هو أبو الجن خلق قبل ءادم خلقه الله من لهيب النار الصافى قال رسول الله ﷺ خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق ءادم مما وصف لكم رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها. فمن هنا يعلم أن الملائكة والجن ليسوا من جنس واحد فإبليس ليس ملكا ولا طاووسا للملائكة ولا رئيسهم بل هو كافر من الجن بنص القرءان قال تعالى ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾. والجن فيهم التقى والفاسق والكافر وليس فيهم أنبياء إنما أنبياء البشر هم أنبياء الجن. أما الشياطين فهم الكفار من الجن منهم القرين الذى يوكل بالشخص بعد ولادته فإنه يدخل فى صدره من غير أن يشعر به فيوسوس له ويأمره بالشر. أما قرين النبى فلا يستطيع أن يدخل فى جسد النبى إنما يدور حوله ويوسوس له من الخارج. والشيطان ليس له سلطان على الأنبياء والأولياء فلا يستطيع أن يغرقهم فى المعاصى. والظاهر أن قرناء الأنبياء سوى سيدنا محمد كانوا شياطين كفارا أما قرين النبى ﷺ فقد أسلم قال رسول الله ﷺ إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير. الشيطان له حديث بكلام خفى مع نفس الإنسان فى الصدر لا تسمعه الأذن هو يحدث النفس فتفهم عنه لكنه لا يعلم الغيب ولا يعلم بما يحدث به الشخص نفسه. والقرين يلازم العبد إلى وفاته ليلا ونهارا فإذا بات العبد بات القرين على خيشومه أى منتهى أنفه فإذا استيقظ العبد يقفز القرين إلى جهة الصدر لذلك يستحب عند الاستيقاظ إذا توضأ الشخص أن يبالغ فى الاستنشاق لإزالة أثر مبيت القرين هناك إلا أن يكون صائما. ويوجد غير القرين من الشياطين يشوش على المسلم فى صلاته يقال له خنزب فعن عثمان بن أبى العاص الثقفى رضى الله عنه أنه أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن الشيطان حال بينى وبين صلاتى وقراءتى قال ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله من شره واتفل على يسارك ثلاثا رواه الإمام أحمد. وعن أبى بن كعب عن النبى ﷺ أنه قال إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء رواه الترمذى. وينبغى أن لا يسترسل الإنسان مع الوسواس بل ينبغى أن يلجأ إلى الله فى دفعه وأن يعرض عنه وأن يبادر إلى قطعه بالاشتغال بغيره حتى لا تتنكد عيشته وينبغى أن لا يقعد وحده بل يقعد مع الصالحين.

يجب الإيمان بالملائكة أى بوجودهم وهم أجسام لطيفة لا تجس باليد خلقهم الله من نور لهم أرواح وعقول وإرادة. ليسوا ذكورا ولا إناثا لا يأكلون ولا يشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا ينامون ولا يتعبون من طاعة الله ولا يتناكحون ولا يتوالدون وهم مسلمون مكلفون بالإيمان وعباد لله طائعون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يصلون الصلوات الخمس ويذكرون الله كثيرا. أعطاهم الله القدرة على التشكل بصور الرجال من بنى ءادم من غير ءالة الذكورة لكنهم لا يتشكلون بأشكال الإناث ولا بالأشكال القبيحة كالقردة والكلاب والخنازير والحيات والعقارب والفئران. وأفضل الملائكة خواصهم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ورضوان خازن الجنة ومالك خازن النار وحملة العرش وأفضل الخواص ورئيسهم جبريل عليه السلام وهو أشرف الملائكة وأفضلهم درجة عند الله تعالى. وكل ملك له جناحان أو أربع أو ست أو غير ذلك من العدد قال الله تعالى ﴿أولى أجنحة﴾ فسيدنا جبريل عليه السلام له ستمائة جناح وقد رءاه الرسول ﷺ بمكة بمكان يقال له أجياد فقال له جبريل اطلب من ربك أن ترانى على صورتى الأصلية فطلب الرسول ذلك فظهر له من المشرق فسد ما بين المشرق والمغرب فصعق رسول الله ﷺ أى غشى عليه ثم أخذه جبريل عليه السلام وقد تحول إلى الصورة البشرية فضمه إليه ثم قال رسول الله ﷺ يا جبريل ما ظننت أن الله تعالى خلق أحدا على مثل هذه الصورة فقال جبريل عليه السلام إن الله خلقنى على ستمائة جناح وما نشرت منها إلا جناحين وإن الله خلق إسرافيل على ستمائة جناح الجناح الواحد منها مثل كل أجنحتى. ويوجد فى الملائكة من هو أعظم خلقة كحملة العرش قال رسول الله ﷺ أذن لى أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام رواه أبو داود، أى بخفقان الطير المسرع وهذا الملك كتفه عند العرش ورجله فى الأرض السابعة.

قال الله تعالى ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ وهم الكفار المشركون ﴿ليسمون الملائكة تسمية الأنثى﴾ أى يقولون إن الملائكة بنات الله والعياذ بالله وقال تعالى ﴿وجعلوا﴾ أى المشركون ﴿الملائكة الذين هم عباد الرحمٰن﴾ أى خلقه ﴿إناثا أشهدوا خلقهم﴾ أى كيف يحكمون بأنهم إناث أحضروا خلقهم حين خلقوا ﴿ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ عنها يوم القيامة. فيفهم من ذلك أن الملائكة لا يتشكلون بأشكال النساء إنما يتشكلون بأشكال الرجال جميلى الصورة من غير ءالة الذكورية كما كان جبريل عليه السلام يأتى النبى ﷺ، كان فى كثير من الأحيان يأتى على هيئة صحابى اسمه دحية الكلبى أما قول بعض الناس إن جبريل جاء إلى النبى ﷺ فى صورة عائشة أى تشكل بشكلها فهو باطل لأنه مخالف للقرءان، وقد ورد فى الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قبل أن يتزوج السيدة عائشة رضى الله عنها أتاه سيدنا جبريل عليه السلام ومعه صورة عائشة فى قماشة، لم يأته متشكلا فى صورة عائشة بل أتاه بصورة عائشة وأراها للنبى ﷺ. فرق بين أن تقول أتى بصورة كذا وبين أن تقول أتى فى صورة كذا، فى لغة العرب حرف واحد قد يغير المعنى، الجاهل بعلم الدين الذى لا يميز بين هذا وذاك يهلك نفسه وغيره وهو لا يدرى.

إن كان المسلم تعطلت كليتاه ولا يعيش إلا بإعطائه الكلية وكان الذى يعطيه لا ينضر إنما يتألم فقط يجوز. أما أخذ كلية مسلم ميت وإعطاؤها لمسلم حى فلا يجوز لأنه هتك لحرمة المسلم قال رسول الله ﷺ كسر عظم المؤمن ميتا ككسره حيا.

اعلم أن الله تعالى ليس جسما مؤلفا من أجزاء منزه عن الشكل والصورة والأعضاء لقول الله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ وقوله تعالى ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ أى لا تشبهوه بخلقه. أما قول الله تعالى إخبارا عن الكافر ﴿يا حسرتى على ما فرطت فى جنب الله﴾ أى يقول الكافر يوم القيامة يا حسرتى على ما تركت مما أمرنى الله به وقصرت فى الدنيا فى طاعة الله والحسرة هى الندامة. وأما حديث مسلم إن قلوب بنى ءادم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمٰن كقلب واحد فمعناه أن قلوب العباد تحت تصرف الله يقلبها كيف يشاء إن شاء أزاغ قلب العبد وإن شاء أقامه كما قال عز وجل ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ وليس معناه أن الله له أصابع كالأصابع التى نعهدها من أنفسنا والتى هى جزء من أجسادنا. وكذلك ما رواه البخارى إن الله خلق ءادم على صورته وفى رواية على صورة الرحمٰن فهذه الإضافة إضافة الملك والتشريف أى على الصورة المشرفة عند الرحمٰن وليس معناه أن الله له شكل وصورة. وأما الآية ﴿إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة﴾ أى أن الله تعالى لا يترك إظهار الحق استحياء كما يترك البشر الشىء استحياء وكذلك حديث رسول الله ﷺ إن الله حيى كريـم يستحى إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين فمعناه لا يخيب من دعاه إما أن يعطيه مع الثواب ما طلب أو يعطيه الثواب فقط، وقوله إذا رفع الرجل إليه يديه أى إلى جهة مهبط الرحمة وهى السماء لأن السماء قبلة الدعاء. وليعلم أنه لا يجوز تسمية الله بالمستحى.

اعلم أن النور يطلق على الله بمعنى الهادى فمعنى قوله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض﴾ أن الله تعالى هادى أهل السموات والأرض لنور الإيمان رواه البيهقى فى الأسماء والصفات أى أن الله تعالى هادى أهل السموات وهم الملائكة وهادى أهل الأرض وهم المؤمنون من الإنس والجن لنور الإيمان وقال قتادة ﴿الله نور السموات والأرض﴾ أى منير السموات والأرض ذكره ابن السمعانى فى تفسيره. وحكم من يعتقد أن الله نور بمعنى الضوء التكفير قطعا لأن الضوء مخلوق بدليل قوله تعالى ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ أما إذا قال قائل الله نور بمعنى الهادى فلا يعترض عليه لأن الله تعالى سمى نفسه بهذا الاسم قال تعالى ﴿الله نور السموات والأرض﴾ وورد هذا الاسم فى تعداد أسماء الله الحسنى عند البيهقى وغيره.