الأشاعرةُ والماتريديةُ
الحمد لله ربِّ العالمين وصلى الله وسلم وشرّف وكرّم وعظّم وبارك على سيّدنا محمّد سيّد السادات وفخر الكائنات صاحب المُعجزات وعلى جميع إخوانه من النَّبيِّين والمرسلين وعلى جميع عباد الله الصالحين.
أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.
الله سبحانه وتعالى عالِمُ الغيب والشهادة، الله لا تخفى عليه خافية، الله أنزل هذه الآية في القرءان الكريم في مدح أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم.
وهذه الأمّة أمّة مرحومة وهي أفضل الأمم، وكانت أفضل الأمم لأن نبيَّها صلى الله عليه وسلم هو أفضل الأنبياء. وهذه الأمّة في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُقال للناس لأتباع النّبيّ للصحابة يُقال لهم “الجماعة”، ثم صار يقال لهم “أهل السنة والجماعة”، ويقال لهم “السواد الأعظم”، ويقال لهم “جُمهور الأمّة الإسلامية”.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البيهقي رحمه الله: “فمَن أراد بُحبوبةَ الجنّة فلْيَلزمْ الجماعة”. “الجماعة” هنا يعني “السواد الأعظم” يعني “جمهور الأمة”.
وفي حديث رواه أبو داود وهو من الأحاديث المُشتهِرة رواه من الصحابة عشرة، والحديث المشهور ما رواه من الصحابة ثلاثة فأكثر. وهذا الذي نذكره الآن رواه من الصحابة نحو عشرة، فيه قال صلى الله عليه وسلم: “سَتَفتَرِقُ أمَّتي على ثلاثِ وسَبعينَ فِرقة كلُّهُم في النَّار إلّا واحدة ما أنا عليهِ وأصحابي”، وفي بعض الروايات: “الجماعة”.
فإذًا الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن أنّ الجماعة التي تَثبُت على ما كان هو عليه على ما كان عليه الصحابة فهي الجماعة، فهي الفئة المَنصورة وهي التي تكون على تكون على حق، لماذا؟ لأنّه صلى الله عليه وسلم قال: “ما أنا عليهِ وأصحابي”.
فإذًا أهلُ السُّنَّةِ والجماعة الذين هم على عقيدة النِّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهم على نهجِ الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وكان يقال لهم الجماعة، وأهل السُّنَّةِ والجماعة، ويقال لهم السَّواد الأعظم، ويقال لهم جمهور الأمة، ويقال لهم جمهور أمَّةِ محمّد صلى الله عليه وسلم.
وفي القرن الرابع الهجري تجدد لهم هذا الاسم فصار يقال لهم “الأشاعرة والماتريدية”.
هذا ليس دينًا جديدًا وليس اسمًا لعقيدةٍ جديدةٍ مُستحدثة لا، إنما لنفس الجماعة الذين هم أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
فلماذا قيل لهم الأشاعرة؟ لماذا قيل لهم الماتُريدية؟ لأن الإمام محمد بن محمد أبو منصور الماتُريدي رحمه الله قام لنُصرةِ مذهب أهل السُّنَّةِ وجاء إلى عقيدةِ الصحابة فوضع عليها الأدِلَّة ونصرَها وهذّبها وشهرَها بين الناس.
وهكذا فعل عليّ بن إسماعيل أبو الحسن الأشعريّ رضي الله عنه، جاء إلى عقيدة الصحابة فنَصرَها ورتّبَ عليها الأدلة القرآنية والحديثية والأدلة العقلية فصار كل مسلم في الدنيا يقول أنا أشعري، لماذا؟ نسبةً إلى أبي الحسن الأشعريّ الذي هو على عقيدة الصحابة.
كل مسلم يقول أنا ماتُريدي نسبة إلى أبي منصور الماتُريدي الذي هو على عقيدة الصحابة.
فهذا ليس دينًا جديدًا وليس عقيدةً جديدةً، إنما هو اسم تجدد لنفس الجماعة الذين مدحهم الله فقال: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }. إذًا القرآن مدحهم والرسول مدحهم في الأحاديث التي ذكرناها، فلا يجوز أن يُكَفَّر الأشاعرة ولا يجوز أن يُضَلَّلَ الأشاعرة كما تفعل المُشبِّهة المُجسِّمة اليوم في مؤلفاتهم في كتبهم، في رسائلهم في مواقعهم التي تسمى مواقع التواصل، في خطبهم في محاضراتهم يقولون عن الأشاعرة كفار ضُلّال، يقولون الماتريدية ضُلّال يعبدون القبور.
فهؤلاء المُشبِّهة المُجسِّمة كفّروا الأمّة وكفّروا الذين مدحهم القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم هذا الإمام الحافظ المُحدِّث الفقيه اللُّغويّ محمد مرتضى الزبيديّ في كتابه “الإتحاف – إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين”، ماذا يقول؟ وحيث أُطلِقَ أهل السُّنَّةِ والجماعة فالمُرادُ بهم” الأشاعرة والماتريدية”.
ثم القرآن مدحهم في آيةٍ ثانية، قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، لما نزلت هذه الآية أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى “أبي موسى الأشعري” وقال: “هُم قومُ هذا”
وأبو الحسن الأشعريّ من قوم أبي موسى الصحابي. أبو الحسن هو حفيد هذا الصحابي وهو من ذريته والرسول قال: “هُم قومُ هذا”، يعني القرآن مدح الأشاعرة. وهذا الحديث رواه البخاري ورواه الحافظ ابن عساكر.