زيارةُ القبورِ وقراءةُ القُرءانِ على الميت

الحمدُ للهِ والصّلاةُ والسّلامُ على رسولِ الله

أحْبابَنا الكرام، يجْتَهِدُ المسلمونَ في أيامِ الجُمُعةِ والعيد وغْيرِها منَ الأيامِ المُباركة في زِيارة قبورِ إخْوانهمُ المسلمين، وذلك اتّباعًا لِقوْلِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم “زوروا القبورَ فإنَّها تُذَكِّرُكُمُ الآخرة”.

ومنَ الأعمالِ المُسْتَحَبّةِ عندَ زيارةِ المَقابرِ قراءةُ القرآنِ عندَ قبرِ الميِّتِ المسلمِ لِما في ذلكَ مِنْ إيصالِ النّفعِ له، وهذا أمرٌ مشروعٌ دلَّتْ عليهِ أحاديثُ الصَّادقِ المَصْدوقِ عليه الصّلاةُ والسّلامُ.

فقدْ روَى أبو داودَ، والنَّسائي، وابنُ ماجهْ، وأحمدُ، والحاكم، وابنُ حبّان أنَّ النّبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلم قال: “اِقرَأوا يـٰس على موْتاكُم”.

ولعلَّ أكْثرَنا سَمِعَ بالحديثِ الصحيحِ الذي رواهُ البُخاريُّ ومسلم والذي جاءَ فيه أنَّ النّبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلّم مرَّ على قبرَيْنِ لِمُسْلِمَيْن ثمَّ أخْبرَ أنّهُما يُعَذَّبان بسببِ الكبائرِ التي ماتا دونَ أنْ يَتوبا منها ثمَّ غَرسَ غُصْنَ نَخلٍ رطبٍ على كلِّ قبرٍ وقال: “لعلَّهُ يُخَفَّفُ عنهما إلى أنْ يَيْبَسا”.

فيقولُ ابنُ حجرٍ في شرحِهِ على صحيحِ البخاريّ في هذا الحديثِ إنَّ المعنى فيه أنّهُ يُسَبِّحُ ما دامَ رَطبًا فيَحصُلُ التَّخْفيف ببَرَكةِ التَّسْبيح، ثمَّ قال: وكذلك فيما فيه برَكة مِنْ تِلاوةِ القرآن منْ بابِ أوْلَى.

ويقولُ النّوويُّ رحمَهُ اللهُ في شرحِهِ على صحيحِ مسلم ما نصُّهُ “واسْتَحَبَّ العلَماءُ قراءةَ القرآنِ عندَ القبرِ لهذا الحديث لأنّهُ إذا كانَ يُرْجَى التَّخْفيفُ بِتَسْبيحِ الجَريد (أي غصن النَّخلِ الرّطب) فتِلاوةُ القرآنِ أوْلَى.

وأمّا قولُهُ عليه الصلاةُ والسّلام “إذا ماتَ الإنسانُ انْقَطَعُ عنه عَمَلُهُ إلّا مِنْ ثلاثة إلّا مِنْ صدقَةٍ جارِية أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ أوْ ولَدٍ صالحٍ يدْعو له”، فقدْ قالَ النّوويُّ أيضًا في شرْحِهِ على صحيحِ مسلم: “ومعنى الحديثِ أنَّ عملَ الميِّتِ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ ويَنْقَطِعُ تَجدُّدُ الثوابِ لهُ إلّا في هذه الأشياء الثلاثة لِكوْنِهِ كانَ سببَها”، وليسَ معناهُ أنَّ الميّتَ لا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِ غيرِهِ بالمرِّة. والدليلُ على ذلك أنَّ الميّتَ يَنْتَفِعُ بصَلاةِ الجِنازةِ وما فيها من استْغفارٍ ودعاءٍ لهُ بالرّحمةِ معَ أنّها ليستْ مِنْ عملِهِ. كما أنّهُ يجوزُ في الشرعِ الحجُّ عنِ الميِّتِ، إلى غيرِ ذلكَ منَ الأعمالِ التي يَنْتَفِعُ بها أمواتُ المسلمين.

خِتامًا يا أحْبابَنا، إنَّ الأوْلَى بنا أنْ نُحْسِنَ لِمَوْتانا، وأنْ نَتَصَدَّقَ عنهُمْ ونَقْرَأ لهمُ القرآن، ونَدْعُوَ اللهَ بوصُولِ الثوابِ إلى أرْواحِهِمْ بدَلَ أنْ يشْتَغِلَ البعض بِمَنْعِ ذلكَ وتَحْريمِه وكأنَّهُ مِنْ أعظَمِ المُنْكَراتِ والعِياذُ باللهِ تعالى.

اللهمَّ إنّا نسألُكَ الهُدَى ونَعوذُ بكَ مِنْ أسبابِ الرَّدَى إنّكَ على كلِّ شىءٍ قدير

والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.